تخيّل معي وكأنك طالب في الثانوية العامة، تستعد كل صباح لاستقبال جدول أعمالك المنتظر؛ ترتدي الملابس، تذهب للمدرسة وتضع جل اهتمامك لحل واجباتك و امتحاناتك المقبلة.  أحد المهمات التي عليك القيام  بها اليوم هي إعداد ورقة بحث وإرسالها في نهاية هذا الأسبوع. والآن، حاول قراءة الأفكار التي تمر في ذهنك خلال إنجاز هذه المهمة، ستبدأ بالتفكير -  هل أعمل مع مجموعة من الطلاب أم بمفردي؟ هل أبحث عن المعلومات عبر الإنترنت أو عبر الكتب المفيدة؟ هل أقوم بتحديد أجزاء المقالة الرئيسية؟ أليس من الأفضل لي مناقشتها مع معلمي أولاً؟ يعمل عقلنا طيلة اليوم على تصنيف الأفكار واحدة تلو الأخرى ولكننا لا ندرك أهمية ذلك! فعند محاولتك إعداد ورقة البحث المطلوبة منك، ينشغل عقلك بمعالجة المعلومات وحفظها ومن ثمّ وضعها في الترتيب الصحيح. وتسمى هذه بمهارات التفكير المعرفي؛ وهي التي نحتاجها لإنجاز مهماتنا اليومية المعتادة وحل المشكلات.

 يمكن تعريف التفكير المعرفي بأنه القدرة العقلية على معالجة الأنشطة الذهنية مثل الإدراك والاستجابة، التركيز الذهني، سرعة معالجة المعلومات، القدرة على الحفظ والتذكّر، التخطيط وحل المشاكل.  

كيف تنمّي مهارات التفكير المعرفي؟

قد تسودنا الفكرة بأن تنمية مهارات التفكير المعرفي هي أمر خاص بطفولتنا المبكرة، ولكن توصي الدراسات بتنمية هذه المهارات تزامنا مع نمو الفرد للحماية من الشيخوخة العقلية والإصابة بالزهايمر أو الخرف.  كما أن تطوير قدراتنا العقلية يعد مفتاحاً للإبداع، الابتكار وريادة الأعمال.

هل تشعر مؤخراً بتغيّر في كفاءة قدراتك الذهنية- مثلاً تشتت انتباهك أو فقدان التركيز؟  هل تنسى في الكثير من الأوقات ماذا تريد فعله أو الملاحظات الهامة التي تم ذكرها في  الاجتماع أو المحادثة؟ هل تنتقل من مهمة لأخرى دون إكمال المهمة الأولى؟ هل تعاني من الأداء الضعيف في حل المسائل الرياضية ؟ هل تجد صعوبة في مهارات تعدد المهام؟إذا أجبت ب 'نعم'، نقدم إليك هذا الدليل الذي سيساعدك على تطوير مهارات تفكيرك المعرفي:

1.  التقليل من تناول السكريات والكربوهيدرات

تشير هذه الدراسة التي أعدها خبراء 'مايو كلينك Mayo Clinic'، والتي نُشرت في مجلة داء الزهايمر العلمية المتخصصة 'Journal of Alzheimer's Disease'، إلى أهمية تناول غذاء صحي متوازن للتقليل من الإصابة باختلال الإدراك المعرفي. حيث تظهر الدراسة أن الأشخاص بعمر 70 او أكثر ممن يسرفون في تناول الكربوهيدرات والسكريات هم أكثر عرضة بنسبة أربع مرات تقريباً للاصابة باختلال الإدراك المتوسط، أما الذين يتناولون غذاءً صحياً وغنياً بالبروتينات والدهون الصحية فهم أقل عرضة للإصابة بأمراض الشيخوخة.

2.  ممارسة الألعاب التناظرية

باتت منصات الاتصال الرقمية اليوم أحد أكثر الوسائل تأثيراً على طريقة التواصل الفعّالة والاهتمامات المفضلة لأبنائنا. فبينما تعد 'ألعاب الفيديو' اختيار أجيالنا الشابة اليوم لقضاء أوقاتهم، كانت ولا تزال 'الألعاب التقليدية' التي اختارها أجدادنا كأسلوب حياة مفعم بالمرح والتسلية الاجتماعية الوسيلة التي تحافظ على صحة القدرات الذهنية والتفكير المعرفي والإبداعي للجميع ؛ الأطفال والشباب وحتى المسنين. تتنوع ألعاب الأنالوج من الكلاسيكية كألعاب الطاولة، الورق أو الشطرنج إلى الألعاب العصرية مثل المونوبولي، كلو، لايف، ريسك، السلم والحية، تريفيال بورسوت، الخ.

وأظهرت الدراسة التي أعدها المركز الوطني لمعلومات التقنية الحيوية أن هذه الألعاب التقليدية ساهمت في تنمية مهارات التفكير المعرفي للأعمار ما بين 11 إلى 79 بما فيها سرعة الذاكرة، التفكير، القدرة على التخيل وسرعة معالجة المعلومات.

3.  بناء العلاقات الإجتماعية

تظهر الدراسات التي قام بها المركز الوطني لمعلومات التقنية الحيوية بأن الأشخاص المنطويين اجتماعياً هم أكثر عرضة لاختلال الإدراك المعرفي . وتمت الدراسة على مجموعة من الأشخاص لتقييم أنشطتهم وحالتهم الاجتماعية بما فيها: زيارة العائلة والأصدقاء والجيران، الانضمام للفئات الاجتماعية، العمل التطوعي أو المدفوع الأجر، المشاركة في الأنشطة الثقافية والتفاعلية، بالاضافة لدراسة حالتهم الاجتماعية بالتفصيل وكيفية إدارتهم الحياة.

4.  التعرض للشمس والنوم المنتظم

يساعد التعرض لأشعة الشمس الجسم في إنتاج 'هرمون السعادة' - السيروتونين والذي يحفز الشعور بالاسترخاء، السلوك الإيجابي، الانتباه، الإنتاجية والابتكار. يقول السيد ويجشيدار هايمن، مؤلف ذا لايت بوك، "يؤثر ضوء الشمس على نظامك اليومي والذي يحدد دورة النوم والاستيقاظ، كما يؤثر بشدة على الشهية، الحالة المزاجية، القدرة على الشفاء والإنتاجية. يلعب ضوء الشمس دوراً مهماً في التأثير على نشاطك الذهني وقدرتك على إنجاز المهام العقلية والجسدية."

كما تشير الدراسات إلى أن التعرض للشمس خلال ساعات النهار المبكر يؤدي إلى زيادة إنتاج هرمون النوم 'الميلاتونين'، والذي يعمل على تنظيم الساعات البيولوجية للإنسان ويقلل من استجابته للضغوط الخارجية والتوتر النفسي.

5. جدّد عاداتك

يقول الدكتور داني بنمان، مؤلف كتاب "التأمل الواعي للابتكار: التكيّف، الإبداع والازدهار في عالم الجنون"، تمثل العادات سلسلة من الأعمال المتتالية والتي نحتاج القيام بها لتحقيق مهمة ما- مثلاً القيام بربط الحذاء أو ارتداء الملابس صباحاً ومن ثم الذهاب للعمل وهكذا إلى إعداد وجبة العشاء وتنظيف الأسنان ليلاً قبل النوم." 

ويضيف، "تسيطر العادات على سلوك الإنسان - ويمكنها التحكم بما يفكر به أيضاً. بمجرد تكرار عمل معين أكثر من مرتين، يقوم الدماغ بتكوين المسارات الذهنية كي يعمل على تثبيتها: مما يعني ولادة عادة جديدة. وتصبح هذه المسارات أعمق في كل مرة تكرر فيها الفعل نفسه."وكي تتمكن من تنمية مهارات التفكير المعرفي، ننصحك بالقيام بأنشطة تحدي العقل والتي يمكنك فيها تغيير عاداتك اليومية الروتينية وبدء عادات جديدة.

تمارين عقلية لتحفيز التفكير المعرفي:

1.  التفكير من زاوية أخرى- قم بكتابة قصة أو إعادة كتابة فيلم سينمائي من وجهة نظر مختلفة، قم بحل الألغاز أو الأحجيات بطريقة معكوسة أو مراجعة قائمة أعمالك من النهاية للبداية.

2.  ممارسة الأنشطة الثقافية- كما توصي به الدراسات مثل تعلم الموسيقى، الرقص آو تعلم لغة جديدة مما يساهم في تطوير مهارات التفكير المعرفي والإبداع.

3.  استخدام اليد الغير مهيمنة - ،إذا كنت يساري اليد، أي أعسر، فحاول استخدام يدك اليمنى لإنجاز مهامك اليومية باتقان مثل تمشيط الشعر، الكتابة، الطبخ ، الأكل إعداد الطعام، الخ.

6. التأمل الواعي

تشير الدراسات بأن تطوير مهارات الابتكار وحل المشكلات يحتاج لعقل منضبط وهادئ والذي يؤدي  لزيادة قدرتنا على جمع الأفكار، والتكيف مع الظروف القاسية وتقبل انتقاد الآخرين بشكل موضوعي. إضافة لذلك، فإن التوتر والقلق يؤثر على مهارات التفكير المعرفي والإبداعي لدى الأشخاص. 

يضيف الدكتور داني بينمان من كتاب التأمل الواعي للابتكار، "تشير الآلاف من الأبحاث والدراسات إلى أن التأمل الواعي يسهم في تنمية القدرات الذهنية والجسدية. وفيما يلي بعض نتائج هذه الأبحاث:

1.       يزيد التأمل الواعي من قدرة الفرد على اتخاذ القرارات، وظائف الدماغ والوعي الذاتي، التعاطف مع الآخرين والتحكم بالذات والانتباه. 

2.      يعمل التأمل الواعي كعلاج فعال للقلق، التوتر، الإحباط والضغوطات النفسية، كما يزيد من سعة الانتباه، فعالية الذاكرة وسرعة الاستجابة.                                                                                                        

7.   التمارين الرياضية

أثبتت الدراسات والأبحاث التي أعدتها 'مايو كلينك Mayo Clinic' بوجود روابط إيجابية ما بين ممارسة التمارين الرياضية يومياً وتنمية القدرات الذهنية التي تقلل من حدوث اختلال الإدراك المعرفي، هذا إلى جانب دورها الرئيسي في تقوية العضلات والعظام.

ويقول الدكتور جوناثان جراف-رادفورد بأن ممارسة الأنشطة الرياضية لمدة 30 الى 60 دقيقة يومياً يؤدى إلى:

1.  الحفاظ على قوة مهارات التفكير، التحليل والتعلم لدى الأشخاص ذوي العقل الذهني السليم.

2.  تنمية قوة الذاكرة، التحليل، الانتقاد والتفكير( التفكير المنطقي) للأشخاص الذين يعانون من اختلال الإدراك المعرفي المتوسط أو المصابين بمرض الزهايمر المتوسط.

3.  تأخير احتمال الاصابة بمرض الزهايمر للأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بالمرض أو الذين يظهرون علامات مبدئية لأعراض المرض.

8. التنمية الفعّالة لمهارات الاستماع والكتابة

تعتبر مهارات الاستماع الفعال والقراءة بصوت عالٍ أحد أهم الوسائل التي تزيد من قدرات التفكير المعرفي والقدرة على التركيز والحفظ.  والتي يمكننا من خلالها زيادة القدرة على خلق الأفكار في اللحظة الراهنة.  يمكنك تنمية قدراتك العقلية عبر ممارسة العديد من أنشطة القراءة والاستماع بشكل مختلف؛ مما يتطلب المزيد من التركيز، مثلاً القراءة بصوت مرتفع، واختيار قراءة كتب تاريخية أو علمية مثلاً بدلاً من قصص الخيال الممتعة.

يعّرف الاستماع الفعّال بأنه قدرة الفرد على فهم الرسائل الصوتية من الطرف الآخر والقدرة على ربط ذلك مع تعابير الوجه وحركات الجسم. كما يُطلب للأشخاص بعد ذلك تذكر وتلخيص النقاط المهمة و الآراء والمبادئ التي تضمنها الحديث. يمكنك تطوير هذه المهارة عبر المشاركة في المحادثات الفعالة والاستماع للكتب الصوتية وعروض التلفاز الحية التي تتطلب معالجة المعلومات بدلاً من البرامج البرامج التعليمية الروتينية.