يعرف الباحث النرويجي 'دان أولويس' التنمر بأنه مجموعة من الأفعال المتعمّدة والمتكررة والتي تحدث بأشكال متعددة لإيذاء الطرف الآخر إما بالاعتداء الجسدي أو اللفظي وغيرها والتي يظهر فيها فرق القوة لكلا الطرفين؛ المعتدي والضحية. ويعرف التنمر في المدارس على أنه مجموعة من الأعمال السلبية التي يتعرض لها التلميذ طيلة الوقت من قبل واحد أو مجموعة من الطلاب وتشمل هذه الأفعال الإيذاء المتعمد للطرف المتضرر جسدياً أو لفظياً أو بطرق أخرى."

هناك أساليب متعددة للتنمر- إما بكل مباشر، أي وجهاً لوجه؛ مثل الاعتداء بالضرب، تحطيم ممتلكات الغير، أو الركل وأي شكل آخر للهجوم العدائي؛ أو بطريقة غير مباشرة والتي تتشارك فيها أطراف ثالثة مثل العزل الاجتماعي، نشر الإشاعات أو أي نوع آخر من الإيذاء المعنوي أو عبر الشبكة الإلكترونية.

هناك العديد من الآثار السلبية للتنمر، حيث يشعر ضحايا التنمر بعدم الأمان في عالمهم. فهم غالباً ما يشعرون بالرؤية المتدنية للذات وهم أكثر عرضة للاضطرابات النفسية مثل القلق والإحباط. لذا تسيطر على أذهانهم بعض الأفكار المدمرة مثل الرغبة في الانتحار وارتكاب الجرائم. كما أنهم يفقدون الرغبة بالاختلاط مع الآخرين والمشاركة المدرسية وأداء واجباتهم الدراسية.

المتنمرون يُصنعون ولا يُولدون 

تظهر الأبحاث والدراسات أن المتنمرين عادة ما يكتسبون السلوكيات مباشرة من آبائهم؛ انضباطهم الإجتماعي، ودورهم في وضع حجر الأساس للقيم التربوية والجوانب الأخلاقية. وتكثر ملاحظة أن المتنمرين هم من الأفراد الذين تعرضوا للتنمر، إما بشكل مباشر أو غير مباشر، من قبل الوالدين أو من قبل أشقائهم الكبار بحيث أصبح هذا السلوك أمراً اعتادوا عليه، مما يقودنا إلى دوامة مفرغة لا بداية ولا نهاية لها. 

وفي الجانب الآخر، تعد سياسة المدرسة تجاه التنمر أحد أهم الأمور للحد من تفشي هذه الظاهرة. ومن أهم أسباب ظهور التنمر المدرسي هو غياب دور المعلم للمساعدة في حل هذه المشكلة، أو انتهاج بعض المعلمين أسلوب التنمر لضبط مسار الحصة الدراسية مما يؤثر على تربية الطلاب وسلوكهم المدرسي. بالإضافة لذلك، فإن بعض المدربين والمعلمين لا يتلقون التدريب المناسب للتعامل مع هذه الظاهرة آو تطبيق الاستراتيجيات الفعالة لتنمية مهارات الطلبة الاجتماعية بدلاً من التركيز على المناهج الأكاديمية فقط.

كيف نقضي على ظاهرة التنمر المدرسي

تعتبر بعض الوسائل المتبعة لحل مشكلة التنمر المدرسي مثل العقاب، تحذير الطلبة من هذه السلوكيات او إحالة بعض الحالات  للقضاء حلولاً غير مجدية لحل المشكلة جذرياً. حيث يكمن دور المدرسة في معالجة التنمر عند فهم احتياجات الطالب ومعرفة الدوافع لهذا الأداء وبالتالي إرشاده للسلوك  الصحيح. 

1. تطوير مهارات الذكاء العاطفي لدى الطلبة

يمكن للمعلمين خلق بيئة سلوكية إيجابية أثناء إشرافهم على الحصص الدراسية المعتادة وتطوير مهارات الذكاء العاطفي لدى الطلبة من خلال دمج جميع هذه الاستراتيجيات بشكل خلاق في أساليب المنهج الدراسي. يقع على عاتق المعلم الدور الأكبر لمساعدة الطلاب في اكتشاف ذاتهم وفهم الطرف الآخر والتحكم بالمشاعر غضبهم وحالتهم المزاجية وحديث الذات السلبي. وبالتالي تطوير قدرتهم على التواصل بشكل إيجابي مع أصدقائهم في الصف والمدرسة. 

2.  توعية الطلاب للتعامل مع التنمر

يمكن للمعلم إنشاء بعض الورشات التعليمية والتدريبية بهدف توعية الطلاب للتعامل مع التنمر، ومناقشة العديد من سيناريوهات التنمر التي قد يتعرضون بشكل يومي، وكيفية التصدي لها.

أمثلة على ظاهرة التنمر

-   اتفق بعض الطلبة على إرسال رسائل تحمل الإشاعات الكاذبة والألقاب غير اللائقة بزميلتهم. العديد من زملائهم صدقوا الإشاعات وامتنعوا عن الحديث مع زميلتهم واللعب معها. تأذت نفسية الفتاة سلباً فهي لا ترغب بالذهاب للمدرسة أبداً.

-     تآمر مجموعة من الطلبة على طالب حديث الانضمام إلى المدرسة لإجباره على مشاركة طعامه المعّد له كل يوم، ولكنه يخشى من إخبار أحد بذلك خوفاً من التعرض للإهانة.

-    تقوم مدرّسة مادة اللياقة الرياضية باستخدام عبارات التهديد غير اللائقة لنفس الطالبة في كل مرة وذلك بهدف تحفيزها على تحسين أدائها الرياضي، ولكنها باتت تلقى نفس المعاملة من الجميع وقررت الانسحاب من الفريق.

-  قام أحد طلبة الثانوية العامة بإعادة نشر فيديو لأحد المعلمين.  ورأى العديد من زملائه هذا المنشور على وسائل التواصل الإجتماعي مما أثر سلباً على مساره المهني في المدرسة.

-    يستهزيء مجموعة من الطلاب بتلميذٍ مصاب بالتوحد بين الحين والآخر ويقومون بسرقة حقيبته، طعامه، وحذائه والاعتداء عليه بالضرب. أما الطالب فيتعرض جراء ذلك لحزن نفسي شديد.  

-   انضمت طالبة جنسية الأجنبية حديثاً للمدرسة. بدأت طالبات المدرسة بإساءة الألفاظ لها والاستهزاء بلغتها الأم وطريقة تنسيقها للملابس.  تشعر الطالبة بعزلة عن الآخرين وتأثر تحصيلها الدراسي.

خلق بيئة مجتمعية قوية في المدرسة

إن بناء العلاقات والتواصل المبني على احترام الآخرين من أهم الوسائل لتعزيز ورفع أداء التلاميذ.  كما أنه يساهم في مساعدة ضحايا التنمر للتغلب على الضغوط النفسية في الأوقات الحرجة.نوصي المعلم بخلق هذه البيئة المتماسكة في الصف وذلك من خلال السماح للطلبة بالتعبير عن رأيهم وشعورهم بالأمان، وتحفيزهم على مساعدة بعضهم البعض وتعزيز الترابط ما بينهم من خلال الانشطة الصفية الجماعية التي تجمع مختلف هواياتهم واهتماماتهم.

 التواصل الفعال مع الآباء

يلعب الآباء الدور الأهم في تربية أبنائهم ونموذجاً يقتدون به مدى الحياة. لذا يعد من الضروري التواصل مع الوالدين، في حال كان ابنهم أحد ضحايا التنمر أو من الطرف  المعتدي، بدعوتهم للمشاركة في ورش تطوير المهارات الاجتماعية ومنصات النقاش التفاعلية حول التنمر

معالجة السلوكيات الخاطئة في وقت مبكر

ينبغي للمعلمين الإحاطة بالسلوكيات التي قد تؤدي بطبيعتها إلى التنمر ومن هذه السلوكيات: الحديث عن الآخرين بسوء، النظرات الحادة، العزل الاجتماعي، التنابز بالألقاب، الإساءة اللفظية، الإعتداء الجسدي، إرسال رسائل بطابع تهديدي، الخ. تظهر الدراسات بأن اكتشاف هذه التصرفات ووضع خطة لمعالجتها في وقت مبكر يعد من العوامل التي تسهم في الحد من ظاهرة التنمر الناجمة عن هذه السلوكيات.