'مسيرة مكللة بالنجاح لأبنائنا'  كان ومازال حلمنا وحلم آبائنا وأجدادنا الخالد منذ عقود. نخطو كل يوم نحو غدٍ مشرق، آملين أن نؤمّن لهم مستقبلاً واعداً عبر مسيرة تعليمية متميزة في أفضل مدرسة.

 يبقى جلُّ تركيزنا موجهاً نحو تحقيق التفوق الأكاديمي ليحظى أبناؤنا بحياة ناجحة بكل المقاييس، ولكن انطلاقاً من رؤيتنا الشاملة لتطور المسيرة التعليمية، فمن المجدي معرفة فيما إذا كان الأشخاص ذوي الأداء الآكاديمي المرتفع هم الأكثر نجاحاً في حياتهم.  

ترتكز العديد من المؤسسات التعليمية في استراتيجيتها على بناء قدرات الذكاء المعرفية لطلابها والتي تمكنهم من تحصيل المراكز المرموقة في مجال الطب، الصيدلة، الهندسة والعلوم وغيرها، ولكن مهارات الذكاء العاطفي هي العامل الأهم الذي يصنع الفرق بين القائد الملهم أو المدير، صانع التأثير أو المؤيّد التابع للآخرين، الأنظمة المبتكرة أو الفاسدة والعلاقات الأسرية الناجحة أو الفاشلة، الخ 

أشار المؤلف دانييل جولمان، في كتابه "الذكاء العاطفي: وسبب كونه أكثر أهمية من الذكاء المعرفي،" أن الذكاء العاطفي هو الأكثر أهمية لنجاح الأفراد المستقبلي قياساً بالذكاء المعرفي؛  إذ أن التحصيل المرتفع للذكاء المعرفي لا يشمل ' تحصيل الذكاء العاطفي' والذي يلعب دوراً هاما في قدرة الفرد على التكيّف، التحكم بالذات، الاهتمام والتعاطف، الحزم والإصرار، تحمل المسؤولية وحل المشاكل.

يعد الذكاء العاطفي العامل الأهم لاستشراف المستقبل ورفاهية الإنسان؛ فهو ما يهيئه للوصول لأهدافه، تفوقه الدراسي، تقدمه المهني، تخطي التحديات وبناء علاقات أسرية قوية وفي بيئة العمل. ويعرّف على أنه قدرة الفرد على فهم وإدارة وتوظيف مشاعره للتعاطف مع الآخرين والتحكم بالضغوط النفسية واتخاذ القرارات المدروسة.

وتشير البحوث والدراسات إلى أن دمج برامج تطوير الذكاء العاطفي والاجتماعي إلى مناهج التعليم الحديثة يسهم في الحد من ظاهرة التنمر والعنف المدرسي والانتحار. إضافة لذلك، فهو يساهم في خلق الأجواء الإيجابية والمقاييس الأكاديمية الناجحة وزيادة الإنتاجية في المدارس.  إن تطوير مهارات الذكاء العاطفي لأبنائنا منذ الصغر يلعب دوراً هاماً جداً في إعدادهم للنهوض بمستقبلٍ واعد 

تنمية مهارات الذكاء العاطفي

 يلعب المعلم الدور الأهم في تنمية مهارات الذكاء العاطفي للتلاميذ، والذي يركز في بادئ الأمر على تعليمهم كيفية فهم مشاعرهم ومشاعر الآخرين- والتعامل مع المواقف المختلفة بطريقة إيجابية، ضبط ردود أفعالهم والتعامل مع الأخطاء كخطوة واثقة في طريق النجاح بدلاً من الخوف و بالتالي الفشل.ويمكن للمعلم التركيز على المحاور الأساسية التالية:  

1. تقدير الذات

هذا الجانب يساعد الطلبة في فهم مشاعرهم، التعرف على اهتماماتهم واكتشاف نقاط قوتهم وضعفهم وإرشادهم لتقدير ذاتهم. كما يهدف إلى توعيتهم بإدراك الأثر الذي تصنعه أفعالهم بالآخرين وأن عليهم التفكير بمنظور الطرف الآخر قبل الشروع بها. 

2.   التحكم بالمشاعر

وذلك بمساعدة الطلبة على التكيف مع الأزمات والقدرة على التحكم بتقلبات المزاج ويعد أحد المهارات المهمة خلال حياة الطالب الدراسية والعملية. يمكن أن يكتسب الطالب هذه المهارة من خلال تعلم التحكم بالمشاعر وحديث الذات السلبي وبالتالي السيطرة على سلوكه في المواقف الحالكة.

3. فهم الآخرين

تتضمن هذه المهارة القدرة على إدراك مشاعر الطرف الآخر وتفسير القصد من وراء سلوكياتهم والسماح لهم بالتعبير عن رأيهم دون إطلاق الأحكام. تعدهم هذه المهارة للتواصل الإيجابي مع غيرهم من خلال تقبل الفروقات الفردية، نقاط التشابه والاختلاف وبالتالي تنمية مهارة التعاطف لديهم.

4.   إدارة المشاعر الاندفاعية

تشجيع الطلاب على اختيار القرارات المدروسة وتحمّل عواقب تلك القرارات. التحكم بمشاعرهم الاندفاعية بإعادة النظر فيها قبل تطبيقها. إضافة لذلك، تمكينهم من رؤية الحياة كفرصة مشوقة بدلاً من المخاوف. كما يكتسب الطلبة مهارة تصورهم لذاتهم لممارسة أعمالهم بشكل إيجابي.

5. الاستماع والتواصل البنّاء مع الآخرين

يمكن تطوير هذه المهارة من خلال مشاركة الطلبة في الحوارات المتنوعة والتحدث أمام الجمهور. تتطلب مهارة الاستماع الفعّال التركيز على كل ما يقوله المتحدث وفهم ما وراء السطور بالتركيز على نبرة صوته وملامح الوجه والتعابير من خلال النظر مباشرة إلى عينيه أثناء الحديث. وبعدها يمكنهم تلخيص جميع الرسائل في الحديث. 

6.  مشاركة الوالدين

يتيح دعم الوالدين للطلبة المزيد من الفرص لتطوير مهارات التواصل والذكاء  الاجتماعي للأبناء يداً بيد مع البرنامج المدرسي. حيث يمكن للآباء تنمية مهارات ذكائهم العاطفي عبر تقوية علاقتهم بالأبناء، حثهم على التعاطف مع الغير وإظهار مشاعر العطف والحنان وقضاء الأوقات الممتعة معهم. 

7. الذكاء العاطفي للمعلم

يعد الذكاء العاطفي من أهم المزايا التي يجب أن يتحلى بها المعلم والتي تسبق خبرته المهنية؛ فتحكمه بمشاعره له أكبر الأثر في تنمية الذكاء المعرفي والقدرات الأكاديمية لدى الطلاب، كما أن فهم المعلم لمشاعر الطلاب وسلوكياتهم و تعاطفه معهم وتجسيد روح التسامح وشغف المهنة يساعد في تطوير العملية التعليمية في الحصة، وتعتبر الأساس للسيطرة على التحديات والسلوكيات السلبية وغيرها من المشكلات التي تعرقل سير العملية التعليمية. 

 كنا وما زلنا طلبة للعلم! تذكر أن تحكمك بمشاعرك هو مفتاح الطريق لسباق النجاح الحقيقي وأن المسيرة تحتاج لبعض الوقت فلا تقع في خيبة الأمل إذا لم تشاهد ما ترجوه بسرعة! تمسك بأفعالك وأقوالك لصنع الفرق! فهذه التجربة تستحق الانتظار!